عبد الرحمن بن ناصر السعدي
268
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
ثبوت علمه ، وهو هذه المخلوقات ، وما اشتملت عليه ، من النظام التام ، والخلق الباهر . فإن في ذلك ، دلالة على سعة علم الخالق ، وكمال حكمته ، كما قال تعالى : * ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) * وكما قال تعالى : * ( وهو الخلاق العليم ) * ذلكم الذي ، خلق ما خلق ، وقدر ما قدر . * ( ذلكم الله ربكم ) * أي : المألوه المعبود ، الذي يستحق نهاية الذل له ، ونهاية الحب . الرب ، الذي ربى جميع الخلق بالنعم ، وصرف عنهم صنوف النقم . * ( لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) * أي : إذا استقر وثبت ، أنه الله الذي لا إله إلا هو ، فاصرفوا له جميع أنواع العبادة ، وأخلصوها لله ، واقصدوا بها وجهه . فإن هذا هو المقصود من الخلق ، الذين خلقوا لأجله * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * . * ( وهو على كل شيء وكيل ) * أي : جميع الأشياء ، تحت وكالة الله وتدبيره ، خلقا ، وتدبيرا ، وتصريفا . ومن المعلوم ، أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته ، وتمامه ، وكمال انتظامه ، بحسب حال الوكيل عليه . ووكالته تعالى على الأشياء ، ليست من جنس وكالة الخلق ، فإن وكالتهم ، وكالة نيابة ، والوكيل فيها ، تابع لموكله . وأما الباري ، تبارك وتعالى ، فوكالته من نفسه لنفسه ، متضمنة لكمال العلم ، وحسن التدبير والإحسان فيه ، والعدل . فلا يمكن أحدا ، أن يستدرك على الله ، ولا يرى في خلقه خللا ، ولا فطورا ، ولا في تدبيره ، نقصا وعيبا . ومن وكالته : أنه تعالى ، توكل ببيان دينه ، وحفظه عن المزيلات والمغيرات ، وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم . * ( لا تدركه الأبصار ) * لعظمته ، وجلاله وكماله . أي : لا تحيط به الأبصار ، وإن كانت تراه في الآخرة ، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم . فنفي الإدراك ، لا ينفي الرؤية ، بل يثبتها بالمفهوم . فإنه إذا نفى الإدراك ، الذي هو أخص أوصاف الرؤية ، دل على أن الرؤية ثابتة . فإنه لو أراد نفي الرؤية ، لقال : ( لا تراه الأبصار ) ونحو ذلك . فعلم أنه ليس في الآية ، حجة لمذهب المعطلة ، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة . بل فيها ما يدل على نقيض قولهم . * ( وهو يدرك الأبصار ) * أي : هو الذي أحاط علمه ، بالظواهر والبواطن ، وسمعه ، بجميع الأصوات الظاهرة والخفية ، وبصره بجميع المبصرات ، صغارها ، وكبارها ، ولهذا قال : * ( وهو اللطيف الخبير ) * الذي لطف علمه وخبرته ، ودق ، حتى أدرك السرائر والخفايا ، والخبايا ، والبواطن . ومن لطفه ، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه ، ويوصلها إليه بالطرق ، التي لا يشعر بها العبد ، ولا يسعى فيها . ويوصله إلى السعادة الأبدية ، والفلاح السرمدي ، من حيث لا يحتسب . حتى إنه يقدر عليه الأمور ، التي يكرهها العبد ، ويتألم منها ، ويدعو الله أن يزيلها ، لعلمه أن دينه أصلح ، وأن كماله متوقف عليها . فسبحان اللطيف لما يشاء ، الرحيم بالمؤمنين . * ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ ) * . لما بين تعالى من الآيات البينات ، والأدلة الواضحات ، الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد ، نبه العباد عليها ، وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم ، فقال : * ( قد جاءكم بصائر من ربكم ) * أي : آيات ، تبين الحق ، وتجعله للقلب ، بمنزلة الشمس للأبصار ، لما اشتملت عليه ، من فصاحة اللفظ ، وبيانه ، ووضوحه ، ومطابقته للمعاني الجليلة ، والحقائق الجميلة ، لأنها صادرة من الرب ، الذي ربى خلقه ، بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة ، التي من أفضلها وأجلها ، تبيين الآيات ، وتوضيح المشكلات . * ( فمن أبصر ) * بتلك الآيات ، مواقع العبرة ، وعمل بمقتضاها * ( فلنفسه ) * فإن الله هو الغني الحميد . * ( ومن عمي ) * بأن بصر ، فلم يتبصر ، وزجر ، فلم ينزجر ، وبين له الحق ، فما انقاد له ولا تواضع ، فإنما مضرة عماه عليه . * ( وما أنا ) * أيها الرسول * ( عليكم بحفيظ ) * أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام ، إنما علي البلاغ المبين ، وقد أديته ، وبلغت ما أنزل الله إلي ، فهذه وظيفتي ، وما عدا ذلك ، فلست موظفا فيه . * ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون * اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إل ه إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل ) * قوله تعالى : * ( وكذلك نصرف الآيات ) * الكاف في موضع نصب صفة للمصدر المحذوف ، أي : نصرف الآيات تصريفا ، مثل ما تلونا عليك . والتصريف معناه : التنويع . والمراد : أن الله تعالى ، ينوع الآيات الدالة على المعاني الرائعة ، الكاشفة عن الحقائق الفائقة ، لا تصريفا أدنى منه ، بل تصريفا بلغت في الروعة مبلغا ارتقى عن إدراك المخلوقين . قوله تعالى : * ( وليقولوا درست ) * جوابه محذوف ، تقديره ( ونحن نصرفها ) أو نفعل ما نفعل من التصريف المذكور ( معنى درست : تعلمت ) . وقرأت كتب أهل الكتاب أي : قدمت هذه الآية ومضت . كما قالوا : أساطير الأولين ، تلقاها ممن مضوا من أهل الكتاب من الأمم السابقة . * ( وليقولوا درست ) * علة لفعل قد حذف ، تعويلا على دلالة السياق عليه . أي ، وليقولوا : درست نفعل ما نفعل ، من التصريف المذكور . واللام للعاقبة والصيرورة ، والواو اعتراضية . أي : لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا درست وهو كقوله تعالى : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) * وهم لم يلتقطوه للعداوة وإنما التقطوه ، ليصير لهم قرة عين ، ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة . وكذلك الآيات ، صرفت للتبيين ، ولم تصرف ليقولوا : درست . ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين ، فشبه به . وقوله تعالى : * ( ولنبينه ) * أي : القرآن ، وإن لم يجر له ذكر ، لكونه معلوما ، أو الآيات ، لأنها في معنى القرآن . * ( لقوم يعلمون ) * الحق من الباطل . ومجمل معنى الآية : ومثل هذا التنويع البديع في عرض الدلائل الكونية ، نعرض آياتنا في القرآن منوعة مفصلة ، لنقيم الحجة بها على الجاحدين ، فلا يجدوا الاختلاق والكذب ، فيتهموك بأنك تعلمت من الناس ، لا من الله ، ولنبين ما أنزل إليك من الحقائق ، من غير تأثر بهوى ، لقوم يدركون الحق ، ويذعنون له . اتبع أيها النبي ما جاءك به الوحي من الله ، مالك أمرك ، ومدبر شؤونك ، إنه وحده الإله المستحق للطاعة والخضوع ، فالتزم طاعته ، ولا تبال بعناد المشركين ، ولا تحتفل بهم ، وبأقاويلهم الباطلة . قوله تعالى : * ( ولو شاء الله ) * أي : إيمانهم فالمفعول به محذوف * ( ما أشركوا ) * بين أنهم لا يشركون على خلاف مشيئة الله ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فأشركوا بمشيئته . قوله تعالى : * ( وما جعلناك عليهم حفيظا ) * أي : رقيبا مهيمنا من قبلنا مراعيا لأعمالهم مأخوذا بإجرامهم وكذلك قوله : * ( وما أنت عليهم بوكيل ) * من جهتهم ولا بمسلط تقوم بتدبير أمورهم وترعى مصالحهم . والمعنى الإجمالي للآية : ولو أراد الله أن يعبدوه وحده ، لقهرهم على ذلك ، بقوته وقدرته ، لكنه تركهم لاختيارهم . وما جعلناك رقيبا ، تحصي عليهم أعمالهم ، وما أنت بمكلف ، بأن تقوم عنهم ، بتدبير شؤونهم ، وإصلاح أمرهم . * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) * ينهى الله المؤمنين ، عن أمر كان جائزا ، بل مشروعا في الأصل ، وهو سب آلهة المشركين ، التي اتخذت أوثانا وآلهة